بنيامين التطيلي

122

رحلة بنيامين التطيلى

تتجزأ مملكة الإسلام إلى دول صغيرة أو كبيرة بمقتضى الأحوال والظروف وتغلّب الأمراء . وانتهت الإمبراطورية العربية إلى مثل ما انتهت إليه من قبلها إمبراطورية الإسكندر وإمبراطورية الرومان ، فلم يعد من الميسور إدارة تلك الرقعة الشاسعة التي لم تكن تقطع من شرقيها إلى غربيها - على ما يرويه المقدسي - بأقل من عشرة أشهر ، من حكومة مركزية واحدة . وقد يكون لتباين الأهواء والمشارب السياسية والميول المذهبية أثر كبير نضيفه إلى المؤثرات الجغرافية والإقليمية لتعيين أسباب هذا التجزؤ أو التعجيل به على الأقل . لكنه قد حدث فعلا ؛ وقبل مسلمو تلك الأجيال الأمر الواقع وسلّموا به . على أن هذه الأقطار الشاسعة التي فرّقت ما بينها الحدود الإدارية المصطنعة والتخوم السياسية المستحدثة ، كانت تربطها أواصر وحدة روحية تخطت الحدود المرسومة والحواجز الموهومة . تلك هي رابطة الدين ، وصلة المعتقد والعرف ، وقرابة الدم والعنصر ووشائج العقل والفكر واللغة والثقافة . فقد استطاعت الفتوحات الإسلامية - وهذا ما يميزها عن غيرها من غزوات الأقدمين - أن تسبك تلك الأقطار المترامية في قالب روحي محكم البنيان ، وتلحمها بلحمة دين موحد لم تستطع تقلبات الأحداث السياسية فصم عروته الوثقى أو تفريق كلمته المثلى . فكان المسلم ، حيثما تنقل داخل حدود هذه المملكة ، يجد نفسه بين إخوان له ، يظله ما يظلهم من دين ويسري عليه ما يسري عليهم من شرع وعرف وعادات . وأينما ألقى عصا الترحال من أصبهان وبغداد شرقا والقاهرة وغرناطة غربا ، وجد الجامع الذي يؤدي